قصة قصيرة رائعة للاديب أحمد علي صدقي/المغرب

 توبة مدمن:

خرج من حانة خمور وقد بدأ الليل يجمع عباءته السوداء. كان الجو بين ساح و ممطر. تفقد الطريق... مشى قليلا جهة اليمين ثم رجع جهة اليسار... ترنح... زحف... سقط في بركة ماء... لعن الخمرة ومن اعتصرها... نهض... مشى بضعة امتار... ترنح... زحف... سقط في بركة اخرى... لعن الخمرة و النادلة، ساقيتها، و من كان له سببا لتعاطيها... نهض... مشى قليلا... سقط في حفرة أكبر عمقا من سابقتيها... لعن صاحب الحانة، وخموره ومن يحملها اليه ثم اكرم نفسه بما وعاه من باقي اللعنات.. حاول النهوض من الحفرة. ما استطاع... تجشأ لقمان من غير شبع... استفرغ بطنه... قرر المبيت بالمكان... استلقى على ظهره... وسَّد يديه ثم نام وسط حفرته. عندما رجع الى وعيه وجد نفسه بين يدي رجل يستخرجه من حفرته وهو يقول:

- الخمرة أم الكبائر. اللهم تب عليه ولا تجعل قبره حفرة من حفر جهنم... نظر اليه بدون ان ينبس ببنة شفة... 

استوعب ما سمع من الرسالة اللحظية.. قصد بيت أمه كعادته... بكت على سوء حالته... دعت له ثم اعطته، رغما عنها، بعض الدريهمات. كانت أقل مما فرضه عليها يوميا منذ مدة. لم يقبلها.. حلفت له أنه لم يحضر عندها ألآن إلا ما قدمته له. رمى بما أخذه منها عرض الحائط.. خافت من بطشه.. ظلت المسكينة منذ كبر وهي باخعة نفسها على تماديه في شره وانغماسه في ويلاته. دخلت بيتها وسدت عليها بابها وهي تدعو له:

- اللهم تب عليه وانقده مما جرفته اليه نفسه وشياطينه.

 دخل الى الحمام.. استحم و غير ملابسه.. كان المؤذن حينها يردد حيا على الفلاح... قبل جبين أمه.. قال لها:

- سامحيني يا أمي واطلبي من ربي أن لا يجعل قبري حفرة من حفر جهنم. استغربت وفتحت بابها وقالت:

- اللهم آمين. الحمد لله أنك بدأت تخاف نار الآخرة. رد عليها:

لقد سقطت في حفرة وعندما استيقظت سمعت أحدهم يخرجني منها ويقول:

- اللهم تب عليه. اللهم لا تجعل قبره حفرة من حفر جهنم. اقشعر جلدي وكأن نارا شبت بداخلي. تركني بجانب الحفرة. تجشأت ما تبقى من الكحول الحارقة بدواخلي وكأني أفرغت هاته النار التي احسست بها تلتهمني... غمرتني بعدها راحة وكأنني ولدت من جديد... 

استبدل ثيابه ثم ترك أمه تتأمل ما قاله وخرج. مجد من دعا له وأستشعر اشتياقا لتوبة ربه. داعا للساقية، التي كانت هي الطعم الذي يصطاده بها شيطانه بالتوبة قائلا:

- اللهم أبعد بلائي عن بلائها و امح من ذاكرتي تعلقي بها. وقفت أمه بالباب تنظر اليه فإذا برجليه، ولم تكن مشيئته وإنما هي مشيئة خالقه، تقودانه نحو المسجد وهو يردد سماعا:

لقد كانت عيناي في غطاء عن ذكرك يا ربي فأنا الآن تبت اليك فاغفر لي وأنت الغفور الرحيم...

احمد علي صدقي/ المغرب


Commentaires