إضاءة نقدية وأدبية حول قصيدة هوية حلم / د. عبد الرزاق كيلو ...سوريا






 ..................... إضاءة نقدية وأدبية حول فصيدة 

                                    " هوية حلم " 

                                  للشاعرة فاطمة دل 

                                         ( 1/2 )


حلم تسلل مع الفجر

 على اجنحة النور

تزين بنمش الفراشات 

وتعرش بضفائر الأمل

تضرع للسماء

 بأكف المنى

كسنونو.... هائمة بالدفء

انه حلم البنفسج

سقط من غير رجاء

 في سحيق الشقاء

بات حكاية الخواء 

و قصة شحوب الربيع  

و هباء اليباب

هناك فوق الأرصفة الباردة

أموت وأحيا

 وأتجرع السقم

أنا المبعثر فوق نصال الألم

سيزيف أنا

يجر الحجر

يغشاه الضباب

 انتظاري العبثي

 كانتظار غودو

للمحال

أو كبحار مهزوم

 أعود بملح الخسارات

أو كخيبة المخدوع

 بغناء ( السيرينات)

وكل شيء بين أضواء المدن الكبيرة

يغدو ككذبة في نيسان

يحترق حطب القلب

في هسيس الليل

ويبقى رماد الانكسار

ينحب القصب

يبكي الصفصاف

جرحا لا يبرأ

وجعاً لايهدأ

وصدعاً لا يرأب

أنا القادم من التراب

بلون واسم وعمر وبقدر

كالحلم 

هويته السراب


بقلم :Fatima DL


تقدم لنا الشاعرة الأريبة( فاطمة دل ) في قصيدتها "هوية حلم " أنموذجا صادقا عن الشعر الوجداني الحديث الذي تتجسد فيه رؤيتها للواقع و توقها إلى الحرية الذاتية المكبلة بقيود الأحلام التي حجرت فيها مع  منغصات الخيبات و الخطوب الاجتماعية المرتبطة بالحياة العامة و أحوال المجتمع العربي و تقلباته السياسية حتى عاد فيه اليأس لازمة الحلم أو الأمل. 

يتبين لنا من خلال تأملاتها الفكرية و الشعرية أن الصلة الرابطة بين الحلم و الواقع  في ابتكار الشعراء الحداثيين الوجدانيين.. إنما هي الألفاظ و الوحدة الثقافية التي لا مراء فيها و لا جدال السائدة في العالم العربي اليوم...ألا و هي ثقافة الخيبة و البحث عن منفذ للنور وسط واقع مجحف و ظالم و متأخر عن ركب الحضارة و العلم...فهذه النزعة تكاد تتشابه ظواهرها و قوانينها في التطور المعاصر للشعر عند كافة الشعراء العرب المعاصرين الوجدانيين و العاطفيين... كما تشكل شاهدا قويا على الموقف الأدبي العام من تجدد المفاهيم الشعرية و تعمق رموزها الخفية التائقة إلى الحرية الفردية و الاجتماعية من أجل تحقيق مبدأ الاستقلال الإنساني و استعادة الإنسان العربي حقوقه في عيش آمن كريم الماء و الثمار. 

و من هنا... كان لآلام و جراحات الحب في قصيدة الشاعرة ( فاطمة دل ) و التي تحمل عنوان " هوية حلم " هي الرموز العميقة التي عبرت من خلالها عن شح حياتنا من مواردها الإنسانية الطبيعية... و كما يبدو أن " الحلم " يعكس مشاعرها الخفية في أعماق قلبها بسبب مشتقات هموم حياتنا... و نجد أفكارا متوارية خلف الألفاظ عن انطباعات نفوسنا بمنغصات حياتنا الروحية و الاجتماعية و السياسية التي نعيشها و نحن بعيدون عن تحكم النسبية الأخلاقية أو عن إدراك  المنظور الإنساني بعيد المدى مما يدفع بشعرائنا للتحرر من سلم   القيم الاجتماعية و السياسية السائدة ... و يتحول الشعر إلى فعل معاد لما يقبل به البعض غالبا. 

ففكرة التقدم الإنساني مغروسة في أذهان الناس دوما... تصل إلى حد التمرد أحيانا لتحقيق الرغبة العارمة في رؤية الواقع على نحو آخر... تستحوذ فيه فكرة الرسم بالكلمات على عرش القيم الإنسانية من أجل إرساء بنيان  السعادة و الفضيلة. 

 و ينجلي لنا بوضوح من عنوان القصيدة " هوية حلم " معنى المطاردة و عدم التماسك بين الهوية و الحلم الذي لا يكتسب مبدأ التطابق بين الحلم و هويته أو تحققه...و كأن العنوان يتضمن محاكمة عقلية طبع الشاعرة عقلية المطارد بين الحلم و الواقع...انتهى بها الأمر إلى أن تصبح مفرطة الحساسية حيال أحلامها التي تلبثت شيئا من الغموض وسط عالم فوضوي و طارئ لا تولى فيه معاناة البشر بعين الاعتبار.. و عادت فيه أحلام المرء لا واقعية تعمل في النفس أحيانا بشكل كارثي و مركب لا يكون فيها المرء بالضرورة مختارا أن يكون متفائلا أو متشائما... و جاهلا أو غبيا... محبا أو حاقدا..!

" هوية حلم " عنوان أكسب القصيدة منذ البداية حساسية مرهفة تتراص فيه مشاعر الحيرة و الإحساس الرقيق بالألم و المعاناة تظهر فيه الشاعرة معتصرة الحزن و هي تنتزع أحلامها انتزاعا متمنية أن تحول هذه الأحلام إلى واقع حاضر و نهائي. 

كما يجسد العنوان في ذهن المتلقي التشاؤم المثالي للشاعرة من خيبة آمالها... فالمبدع إنسان لا يفرغ من خيبة الأمل أبدا 

فكما أن خيبة الأمل تولد من الأمل ذاته... فكذلك سذاجة الأحلام تولد من الخيبات المتكررة التي يعقبها الحزن و الغضب... !

و ليس معنى هذا... أن الشاعرة ارتيابية الحلم..  إنما إفراغها الحلمي في رؤيتها النفسية تقع ضحية اليأس لكنها تعيد صياغة هذه الرؤية لإعادة التأكيد على الأمل في تحقق هذا الحلم... و إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على الإيمان العميق و الأصيل في نفس الشاعرة على أن الأحلام ذاتها بحاجة إلى نظام أخلاقي رتيب ينظمها و يبلورها بشكل عقلاني داخل النفس لتحقيق السعادة و الفضيلة... ومن ثم يتحقق هذا الخير الجمعي( السعادة و الفضيلة ) بتنامي ثمار الخير الأسمى على غصون شجرة الحياة... و لو افترضا جدلا تحققها بداية على صعيد المشاعر الفردية للخاصة أو النخبة 

بيد أن الشاعرة تبقى متأصلة القلق الإنساني الذي يتميز بحلم الإنسان المثقف إزاء أحلام تتيح له إدراك الواقع على حقيقته و التحكم فيه و تقييمه و إعادة تركيبه على نحو أفضل. 

                                                                        ( يتبع )


د. عبدالرزاق كيلو

Commentaires