بين الطين والعسل /الشاعرة فاطمة محمود سعد الله /تونس
بين الطين والعسل
تقولُ الخرافةُ: الحياةُ كوزُطينٍ وعسلٍ
لا ترجّي الكوزَ...
لا تقلبيه..
لا تُسْرِفي في التذوّق والاستمتاع
فبينهما برزخٌ قد يبغيان...
تخسرين لدانةَ الطين
وحلاوةَ العسل...
تقول العرّافةُ أراكِ كتلةً من فرح
أراكِ رقصةَ عيدٍ امتد ظلُّه بين الماء والطين
أرى أناملَ خفيةً تشكّل أيامكِ
الآتياتِ خيطا ..خيطا..
فاحذري رعشةَ الفجر على أطراف الرّيح
احذري غفلةَ القابلة
وهي... تستقبل النورَ.
تقول الأرضُ:كم بذرةً سكنت أحشائي
كم بسمةً خضراءَ شقّتْ رَحِمي
وما لامست لدائنُ الطين عينَ نحلةٍ
تُرَاقِصُ ضفائرَ الورد...
و تمتصُّ رحيقَ أفئدةِ الشذا
ثم تعلّم السنابلَ كيف تَسْكُبُ في الأحداق
سبائكَ الشمس..
تقول المراكبُ: أيها السندبادُ..
وأنت تحضن الموجَ
أتلُ ما تيسّر من سِفْرِ الرحيلِ
ٱكتُبْ على أجنحة الريح تعاويذَ العودة
وجِّه دَفَّةَ الطوفان صَوْبَ مركز الكون
فطلاسمُ الماء لا تأمن الغَرَق
حُكْ من نَسْغ القصائد عباءات ٍ
تَسْتُر عَوْرةَ الفَراغِ
ٱمْخُرْ عُبابَ الظلامِ
وانْسُجْ
على الغيماتِ
تطريز الأحلام
غازِلِ النجومَ وأطيافَ الملائكة
وارتقِ إلى سلّم التجلّي
درجةً ..درجةً.
تقول الطريقُ: أحمِلُ على ظهري
ثِقلَ الجسور..
وفي أحشائي رفيفُ الخطى الحائرة..
على عاتقي، تهرم الرواسي
في انتظار"جودو"
وفي حقيبته رقعةُ وطنٍ،
تتسع لكل المهاجرين و قوارب الموت
وفي يمينه خرائطُ الأمن والسلام
مبلّلةً بعرق الكادحين
وعلى شفتيه تراتيلُ سعادةٍ مبحوحةٍ...
تنعرج الطريق
ويستمر الانتظار..
تلك الأرملةُ تسرع الخطوَ
قبل أن يجف قرص خبزٍ قُدّ من ذلّ السؤال
ثديُها الطينيُّ نَسِيَ صنع الحياة
و"أفواه الأرانب"..
تنتظر "طعاما لكل فم"..
المنعرجاتُ تتناسل في الظلام
وتمتدّ الطريق أفعوانا
يمجُّ السموم..
والوصولُ مرمى من سرابٍ
استقطر من الصبر،ترياقا يبلسم الأوجاع
وعصارةً تتسع بها الحدقات
ترسُمُ الرؤى..
و "تبرئ الأكمهَ "من عمى الألوان.
الرحلةُ.. تمدّ أذرع الأفاعي عند كل محطة.
القطاراتُ تتوكّأ على تأجيل الحسم
الصافرات مشروخة النداء
يسكنها دوار الاغتراب
والمسافةُ بين الطين والعسل
تروم الالتحام..
كي تربأَ الصدوع.
يا أيتها العرافةّ
أيتها الخرافة
أيتها الأرض
أيتها الطريق
أيتها المسافة
هل من مصغٍ لهسيس الروح،
إذ تقول:
ما جرمُ الطين إذا كان منذ الخلق
يعشق العسل؟
وكيف للعسل أن يجعل الطين ابنا شرعيا للنحلة؟
وأيّ الأنبياء يَقْدِرُ على المُصالحةِ
بين رغبات الطين
و...قدرات العسل؟؟
فاطمة محمود سعدالله/تونس25/9/2020



Commentaires
Enregistrer un commentaire