أحياناً لا أكثر فصاحة من الصمت / الأديب أنس الشرايبي






 أحيانا.....لا أكثر فصاحة من الصمت!! ..................................................................................................

لا يختلف اثنان عن كوننا نأتي للحياة ونحن نحمل في دواخلنا نوازع لا تغيرها الثقافات، نتعثر كبشر بتلك الأقدار الصغيرة التي تغبر مجريات حياتنا، تعلمنا مغزى الفرح، البسمة، الحنين، ومتلازمات أخرى، يحدث أن يعبر عنها كل إنسان بطريقته، نحن الذين ناتي للحياة حاملين في جيناتنا حب اللغة، تلك التي تقودنا خباياها لندرك ماهية التعبير عن ما يخالجنا من أحاسيس، نتلقن الحروف لننطقها في بداياتنا بذلك القدر من التعثر، ثم شيئا فشيئا، نجد أنفسنا أمام بحار الكلمات التي ينفق معظمنا نصف عمره، في تعلم خباياها.

لكن في غمرة كل ذلك ننسى الأهم، أننا في صمتنا ربما نكون أكثر إيجازا في عالم غمرته نوازع الصخب، نحن الذين نفتح شاشاتنا تلك في كل مرة على مقدم برنامج يزمجر في وجه ضيف، أو نعبر جادة لنجد أنفسنا أمام نوازع عابر يحدث أن ينفعل في لحظة متناسيا أن ثمة حكمة ما في الصمت أمام لحظة لا تحتمل ثقل اللغة، نشاهد تلك المتناقضات بين من ينسى الصمت لدواعي نوبة انفعال، أو آخر يفسد مكانا شاعريا في لحظة لا مبالاة.

كثيرنا ينسى في لحظة مغزى الصمت، ما دام حال الإنسانية انقلب إلى ضده الآخر وفي زمن، باتت فيه قضية كل من اعتلى منصة حقيقية أو افتراضية، متلخصة في ذلك اللغط الذي لا يملأ جرة عمر، ولا يضيف ليومياتنا المتشابهة سوى نوازع لا تقارب عمق الإنسان. 

بمرور الزمن أيضا؛ تغير فهمنا للغة، حد أننا بتنا نبحث بين المفردات عن أشياء غيرت نظرتنا للحياة، لتفاصيلنا التي افتقدناها، مذ تناسى كثيرنا أن ثمة حكمة ما في الصمت، في اختزال كل ما أردنا قوله في نظرة، لا خجلا او ترددا، بل حماية للكلمات من لحظة انطفاء حتمي!

-هل شعرت بروعة الأشياء التي أقولها حين لا أقول شيئا؟- قال شاعر الياسمين لبلقيس ذات قصيدة، لربما كان يدري بفصاحة تلك الكلمات الأخرى، او بالأحرى ما نكابر لإبقائه قيد أوراقنا، ما نبقيه مواربا بين برهتي صمت، أشياء لا تسعها اللغة، كما لا يمكن المجازفة بها في لحظة صخب..

بعد زمن ها هي الإنسانية أمام مطب مختلف، تبحث بين أكوام الصور المتشابهة عن فوضى الاعترافات تستهلك الكلمات كما يستهلك مواطن أمريكي وجبات البرغر، وقطع الستيك الجاهزة، نرتدي عباءة اللغة، دون أن ندري أننا كنا أجمل وأكثر شاعرية في صمتنا. نبحث عن ذلك الضجر المسائي ونحن نتبادل الأحاديث العابرة، على وقع خبر يعبرنا بين لحظتين، نسارع زمننا الهارب لنثبت لأنفسنا كوننا الاصدق أو الأكثر حكمة. ما دمنا نفرض رأينا بالصراخ، متناسين في فوضى كل تلك الكلمات كل ما نطقنا به.

في الحب أيضا؛ بتنا نستهلك اللغة، نبحث عن استعارة، أو نقيق يملأ طاولاتنا الضجرة، نخرج غيرتنا على شاكلة انفعالات، نقول كلمات لا ندري بأي بئر ستستقر، ما دمنا في كل ذلك ربما لا نعي بما نطقته حواسنا، لتضع بتفاصيلنا أمام مطب لغوي، يجعل من الصمت مجرد لغة هروب، أو حتى حيرة أخرى أمام لغة أكثر اختلافا عن تلك التي لجأ إليها الكثير، في زمن ما عاد فيه كثيرنا ينصت لما قاله بيتهوفن، الذي الف معزوفته تلك مستلهما تفاصيلها من طبيعة لم نعد ننصت لها مذ ملأنا يومياتنا بالصخب العابر!!.....

Commentaires