الحب والحرب / الأديب أنس الشرايبي
الحب والحرب ...................................................................................................
كنا مذ قرأ معظمنا أوديسة هوميروس وامتدادا بأعمال أخرى تحدثت عن خنادق المعارك، نتساءل عن كلفة الحروب، عن الثمن الذي ندفعه كبشر مع أول طلقة رصاصة، نحصي أرقام من تركوا أحلامهم معلقة على مشجب الأمنيات، أو من كاتبوا ذويهم آملين انتهاء عمر نزاع ليتمكن معظمهم من حجز تذكرة عودة.
فعلى مدى عمر من الحروب كم سمع كثيرنا بقصص لم تخلد تفاصيلها الروايات، ولا استطاع أبطالها من التقاط أنفاسه في برهة عناق بعد طول غياب، ذلك أن لا مغادر إلى ساحة حرب يملك قدره كما يمتلك تذكرة سفر في قطار حمل في عرباته عشاقا، حالمين، أو حتى أسرى ذاكرة قصة حمل بعضهم سقط متاعها دون أن يدري بما خفي من أقدار تنتظره على الطرف الآخر من محطة وصول، بدءا بذلك العاشق الذي خلدت قبلته تلك جانبا من تاريخ الحرب العالمية الثانية لتباع في مزاد علني بسعر خرافي، أو آخر لفرط يتمه الآخر، ما كان يدري أنه سيعود ليقدم وردة لمن أحبها بساقين مبتورتين! قصص لم تكن لتخلد جزءا من تفاصيلها لولا عدسات مصورين، أو حتى شظايا حكايات تناقلتها الإنسانية على مدى عمر، دون أن تملك وقف ذلك النزيف.
لذا؛ نظل كعشاق ننظر إلى خساراتنا تلك، نتأمل ذاكرة رسائل جنود، أو محاربين قضى بعضهم نحبه الأخير وهو يكاتب عاشقة على الطرف الآخر، نتأمل ما خطته أياد بحبر الغياب، الأسى، كما شيء من الحنين، أياد لم تكن يوما مخيرة بين حمل سلاح أو حمل وردة ما دامت اقدار الحروب تأتي دوما بغير ما تتوقعه أشرعة أحلام الأحبة، كما أبطال اختارتهم الحروب لتقاصصنا بشيء من ذاكرتهم، أشواقهم، وأحرفا كتبوها وأعينهم على خندق قتال.
زمنا بعد آخر تظل الأسئلة إياها تباغتنا، نحن الذين امتلكنا في عصرنا مشاهدة ذلك الدوران المربك لآلة حرب وببثها المباشر، نفتح شرفاتنا على وقع عواجل تربك صباحاتنا او بالأحرى يومياتنا المتشابهة، ننسج خيوط أحلامنا على بعد كبسة زر من عواجل تتربص بنا على مدار ساعات اليوم، نعيش وهم انقضاء عمر النزاعات، ننتظر قدر حب باغتنا به القدر على الطرف الآخر من قارة أو اثنتين، وعيننا على شاشات تأتي بالخبر المفصل عن من تاهت بهم أقدار حرب، من عايشوا القصص إياها دون ان يملك معظمهم هامشا زمنيا للبحث عن حب وسط الركام، أو على وقع دوي الطلقات العشوائية.
بين حاضر حروب زمننا وتلك التي كانت ها نحن إذا نجلس إلى فوضى أشياء تفيض بها حواسنا المبعثرة، ننظر لمن قادتهم الأقدار إلى محطة انتظار وطن، أو انتظار حب، نقتنص برهة من الزمن لنقطف زهرة أحلامنا، نعيش يتم لحظة نهرب في دقائقها من عداد زمننا المتسارع، نحن الذين لا نملك أمام تجار الأزمات كما الحروب سوى شيئا من أسى عاشه آخرون تركوا في صفحات رواية او حكاية، شيئا من عطر عناق، وعمرا من خطابات تاهت بها الأزمنة أو أخرى خلدت ذاكرة طلقة. عابر لم يكن يدري بالثمن الذي كان ينتظره مذ عاش لحظة فراق كالتي وثقتها العدسات دون أن تدري بما أخفته اقدار نزاعات لم تترك خلفها سوى ثكالى الحب كما الأحلام! ......


Commentaires
Enregistrer un commentaire