ثم بكيت/ الأديبة جميلة مزرعاني
ثمَّ بكيت .
لفَّ بي الزّمن دوراتٍ عدّة لعقودٍ قلّة قطعتُها يضنيني أستوعبُ فكرة الموت ذاك المجهول النّكرة قاهر العباد يسطو عليهم دون حساب لطالما كان الجزع والهلع يرافقان ذهولي لدى ذكره البغيض تتملّكني صاعقة تسقطني في قاع حزن عميق كلّما يمرّ ببالي شريط فراق من أحببتهم بشغف يحزُّ أوردتي صوت القرآن الكريم يتعالى ينذر بموت أحدهم ينتابني أرق فظيع يضعني أمام تساؤلات كثرة ، لمَ لا يكون الموت موضوع دراسة تثقيفيّة في مرحلة التّعليم الأساسي يكتسبها التّلامذة بقبول حسن يزرع في نفوسهم سعادة كبرى بلهفة ارتقاب الحدث بصدر منشرح كما الولادة والحياة والعيد وكلّ شيء جميل ؟ لمَ لا نتصالح مع ذلك المارد الأسود نعقد معه صفقة الهناءالواعد ؟ لمَ لا يكون عرسًا لمن فاتهم القطار والشهداء الأبرار ؟ وعيدًا لمن وافتهم المنيّة صغارًا وكبارًا ؟
وراحة لأولئك المرضى الرابضين على أسرّة الألم ؟ فنزغرد ونهتف حول أجسادهم المكفّنة بالمسك والعنبر نبارك لهم الأوبة الميمونة نرشقهم بالورد والرّياحين والبسمات نصفّق مردّدين : بأمان الله ، غبتُ في نعيم الفكرة حوقلتُ وتشهّدتُ ثمّ بكيت أتمتمُ في سرّي : اللهمّ اجعلنا من المتّقين الفائزين .
جميلة مزرعاني
لبنان / الجنوب


Commentaires
Enregistrer un commentaire