إنسان بلا إنسانية/الأديب محمد ديهاج





 إنسان بلا إنسانية (53)،

فتح لائحة أصدقائه بالفيسبوك،واختار منها بعناية سيدة تبدو من خلال ما تنشره بصفحتها أنها حنون وطيبة،وذات أخلاق عالية،

وبعد أن ضل يراقب منشوراتها لمدة،تجرأ وكتب لها في أول رسالة أرسلها إليها:(هل تقبلين بي اخا لك؟)،(مرحبا بك أخ وصديق)،(أخ لا صديق.....)،(مرحبا يا سيدي،بكل فرح وسرور،أصلا ليس لدي إخوة ذكور.....ههههه)،(قديما قيل:رب أخ لك لم تلده امك )،(ارجو ان تكون في مستوى الثقة !!)،(نحن إخوة في الدين أولا،والوطن ثانيا....)،(هههه وفي الفيسبوك ثالثا....).

ردُّها عليه بالترحيب،جعله يراسلها على الخاص كثيرا _  بمناسبة،

وبغير مناسبة _  بمنتهى الإحترام و الأدب،فتجيبه بكل صدق عن كل تساؤلاته،وبنفس الاحترام والأدب،

ولما كسب ثقتها،صار يحدثها عن ظروفه الإجتماعية المزرية وعن مرض والدته،الذي يكلفه ثلثي عائدات عمله المحدودة مردوديته،

فتعاطفت معه،ولان قلبها لحاله ورق،وغدت تبادر بالإتصال به من 

حين لآخر للإطمئنان عليه بصفته (اخاً افتراضيا لها)،وعلى صحة والدته،أو (والدتهما)،

وبعد مدة اتصل بها باكيا يطلب مساعدتها،فأرادت أن ترسل له بعض المال هبة،لكنه رفض الصدقة ،وجدد لها رغبته في سلف مكتوب،وقال:(أمي،بل أمنا بالمستشفى تحتاج عملية جراحية مستعجلة،وأريد منكِ سلفا،مقابل اعتراف بدين مني،أرده لك خلال مدة أقصاها سنة ونصف)،

واستطاع أن يؤثر فيها بالتباكي،وببعض الآيات القرآنية،وبما يحفظ من أحاديث نبوية،وتسلم منها مبلغ عشرون ألف درهم _ دون أن تستشير مع أحد،حتى زوجها _ وسلمها اعتراف بدين أجله سنة ونصف،أحضره معه مكتوبا وموقعا باسمه،مصحح إمضاؤه

في مدينة اخرى غير التي يسكن فيها،

وبعد أسابيع معدودة،اتصل بها يطمإنها على صحة والدته،ويبشرها

بنجاح العملية بفضل الله الذي وضعها في طريقه،وبالقرض الذي منحته إياه،شاكرا لها حسن صنيعها،وداعيا لها بحسن الجزاء

وبجزيل الأجر والثواب،وبصلاح الحال والأولاد،ورحمة الوالدين.

وبعد انصرام عام أرسل لها ثلثي المبلغ الذي اقترضه منها،ووعدها بإرسال الثلث المتبقي خلال الستة أشهر المقبلة،

وقبل انتهاء المدة المحددة بقليل اتصل بها (يتقاطر) خجلا،ليطلب مهلة إضافية لا تتجاوز ستة أشهر أخرى،لعجزه _ بسبب قلة العمل _ عن جمع المبلغ المتبقي،فوافقت بقلبها الكبير ونفسها السموحة.

أوفى بالعهد وأكمل لها ما تبقى عليه من دين قبل انتهاء المهلة الجديدة بأيام قليلة،مجددا لها شكره وامتنانه،داعيا لها بالخير.

بعد شهرين رن هاتفها برقم غير مسجل بذاكرة جوالها،ردت على المكالمة وإذا بالمتصل (أخوها الفيسبوكي)المقترِض،وهذه المرة ليُلح عليها بشدة أن تمزق ورقة الإعتراف بدين التي لا تزال معها، قالت له :(لا تخف ليس لي عليك أي شيء)،(ليطمإن قلبي،ارجوك مزقي تلك الورقة)،(ليطمإن قلبك،تعال خذها ومزقها بنفسك)،(لقد انتقلت الى مدينة.....)،(أنا أعطيك ثمن التذكرة ذهابا وإيابا)،(لااستطيع،لا  يُسمح لي بالتغيب عن العمل.....)،(إذن سأحرقها أمامك،فتابعني على المسنجر،شَغل الفيديو....)،وأحرقَتها،فقال:(الآن استطيع أن أشعر بالراحة)،(وهل كنت تشك في؟)،(أبدا،أبدا،!ولكن...... )،

وانقطعت بينهما المراسلات،وحاولت السيدة مرارا أن تتصل به للاطمئنان عليه،لكن رقمه توقف منذ مدة عن استقبال المكالمات الواردة عليه.

وذات صباح باكر،طرق بابها طارق،إنهم رجال الشرطة يطلبون منها مرافقتهم لمدينة (.....)،سألتهم عن الأمر،فلم يخبروها بأي شيء سوى قولهم:(في الكوميساريا ستعرفين السبب)،

عند وصولها كانت المفاجأة الصادمة، وجدت نفسها متهمة رسميًّا

بالمشاركة في الهجرة السرية،وها هو (أخوها الافتراضي) يرفع بها شكاية،يدعي فيها أنها وعدته بتهجيره إلى أوربا مقابل عشرين ألف درهم،أرسلها لها على دفعتين،مدليا بوصلي إرسال _ يحملان اسمها _عبر وكالة(.....)لتحويل الأموال،أنكرت جملة وتفصيلا، وقصت الواقعة الحقيقية على ضابط الشرطة،وأنها لم تحتفظ بأي نسخة من الإعتراف بدين بعد إحراقه،قال الضابط:(للأسف سيدتي ليس لك أي دليل يثبت براءتك،بل بالعكس لدينا دليل إدانة ضدك)،

تمسكت السيدة بالإنكار،وتشبتت بأقوالها،وطلبت المواجهة مع من يتهمها بهذه التهمة التي لا أساس لها من الصحة،

أمر الضابط بإدخال صاحب الشكاية،فدخل مطأطأً رأسه،واحمرت وجنتيه من الخجل،بعدما قالت له السيدة:(أ أنت...أخي؟كيف حال الوالدة؟...أهكذا نجازي المحسنين؟....)،وتلعثم في القول،مما جعل الضابط يؤجل النظر في الشكاية إلى حينٍ،لاستكمال البحث.

واحتفظوا ببطاقتها لديهم،

وفي طريقها عائدة إلى مدينتها،اتصلت بكل معارفها تستشيرهم،

فمنهم من ساندها ودعمها معنويا وقدم لها نصائح ومعلومات،

ومنهم من وبخها ولامها على ما فعلت من خير،في زمن قلّت فيه الثقة بين الناس،

بعد عشرة أيام رجعت للكوميساريا،وكان الجديد في القضية،

وهو:ثبوت جريمة اغتصاب قاصر في حق ذات الشخص،واعترافه بالنصب والإحتيال،وتكوين شبكة لابتزاز الضحايا،وإخلاء ذمتها مما لفق لها،

قصة اليوم واقعية حكتها لي المعنية بالأمر نفسها.

يتبع مع قصة جديدة.

Commentaires

Articles les plus consultés